الحقيقة التي تخفيها الشمس لا تظهر إلا في هبوط الليل الكامن في محاراة الإنسان لهذا الكم الهائل من التراتب فوق بعضه البعض، والوجه الآخر للحقيقة لم يعد موجوداً إلا في تقاسيم الألم الذي يفرضه الجسد، المعادلة الكونية للوصول إلى البقعة المجوفة صغيرة وتنتهي بشكل أحرف ترمز إلى مجهول. سنين طويلة مضت أرهقني بها جسدي في حصته الكبيرة من الألم إلى أن وصلنا إلى هدنة طويلة الأمد، في السنين الأولى من حياتي قضيت وقتي بعيداً عن أعين الناس في ممر البيت أبكي من شدة الألم الذي ينتهز فرصته لكي يخرجني من نومي إلى بكاء شديد متواصل، خلل سمعي وعمليات متواصلة لوقف التصدع الناجم في طبقة الأذن، هكذا كانت الدوامة، الإحتقان المتواتر بسرعة شديدة لم يمهلني فرصة إلا لكي أحدق طويلاً من الشرفة بإتجاه جبال الخليل، من منتصف مدينة غزة كنت أرى أضواء المستوطنات على الناحية الأخرى، ثقيلاً كان الوقت حتى يصل إلى السادسة صباحاً ليعلن إنتهاء الألم مع شروق الشمس. حقيرٌ ذلك المؤذن الذي كان ينادي بأعلى صوته، كنت أكرهه كثيراً لسوء حنجرته التي أرعبتني سنين طويلة أكثر من الإنفجارات الناجمة عن قصف الطائرات الإسرائيلية. إلى الساعات الطويلة التي قضيتها في الأرق، السيرة الذاتية لحسين البرغوثي في كتابه “الضوء الأزرق” تعيد ذاكرتي إلى الوراء وتعزز فكرة الهذيان والخلوة بعد ساعات الليل في تجديد مخزون الكتابة الفلسفية الهائلة، الظل والجسد تلك الثنائية التي تضيف زخماً لكتابة الواقع وترجمته عبر بوابة الأرق الهاجع في بطن الليل. ثمانية عشر عاماً قضيتها لأفهم معنى الكتابات التي وضعتها في مستندات مرتبة ولم تنشر، سنوات طويلة لأفهم أن القراءة المكثفة ساهمت لكن الألم الجسدي ونكسة الروح هما المخزون الفعلي للكتابة، إختفى كليهما فغابت الكلمات.
في سبيل التحرر من الكتابة الذاتية
خدر خفيف في أمعاء الطفولة الأولى، فقدان للتوازن في سوق مليء بالمارة، الزجاج المملوء بالأشياء القديمة لم تمل النظر إلى وجوه المارة، والشارع المهدم وفق القياسات الإعتيادية لبلد متهالك يغيظني أكثر فأكثر. تذكرت للتو أنني لم أكل شيئا منذ الصباح، شربت القهوة وبعضاً من السجائر حتى أستعيد الوظائف اليومية للعضلات، قد يكون هذا سببا في الخدر الساري في الجسم. كنت أحمل الأفكار معي في كل مكان، لكني لم أستطع، رميت الكثير بكل بساطة، لا داعي للإفصاح عنها أمام العالم، العالم مرة أخرى، دعه يمر، نعم أنا الجالس في خلفية نفسي لم يعد مهما أي شيء.
فقدت سماعات الأذن الخاصة بهاتفي المحمول، أو أضعتها، المهم أنها ذهبت بلا عودة كغيرها من النقود. كانت هي الفسحة الوحيدة في الطريق إلى أي مكان أستقله بالمواصلات العامة، تردد الألحان الخاص بمشروع ليلى لا ينتهي والصدى الأقرب إلى حديقة جميلة يتسع دائماً، عندما تصل الموسيقى إلى مقطع “وانا مليت من عشرة نفسي”، ينفجر الحنين إلى شيء غامض في القلب، تصبح الأشياء غير قابلة للقياس، مموهة بقدر بساطة الكلمات، الشيء الوحيد القابل للقياس هو الهواء، السنتمترات وحدها كفيلة بذلك، والعقل يعلق هناك في وظيفة النقل لا أكثر لأن المهام تنقلب بسلاسة إذا ما إعتبرنا أن الطريقة الوحيدة للتوحد مع الجزيئات هي الموسيقى.
هل تذكرين؟ كان كل شيء خفيفاً يا عزيزتي وكنا نشرب السجائر سوياً في كل مرة، مع طبعة أحمر شفاه على فلتر السيجارة كانت رغبتي في التدخين تزيد والنيكوتين يملأ الجو بدل أن يتسرب إلى جزيئات الدم ليصبح مكوناً رئيسياً في حياتنا. كان موضوع الثقل والخفة الفلسفي الذي طرحه كونديرا غامضاً جداً عندما قرأته لأول مرة، لم أفهم شيئاً، لم أستوعب، لكن عندما إنخرطنا سوياً في نشاطاتنا اليومية كالتقبيل والإرتماء في أحضان بعضنا بدأت الصورة تتشكل وبدأت التفاصيل العميقة في روايات ذلك العبقري تجد طريقها. اليوم أجلس في مؤخرة الباص، أحب ذلك المكان، إنه بعيد عن أعين الجالسين، لطالما أحببت الجلوس في المؤخرة، كان ذلك أيضاً في الفصل، كنت المتفوق دائماً على بقية زملائي وكان شرط المعلم أن أجلس أمام طاولته، لم أحبب ذلك وتراجعت إلى آخر صف لآخذ فسحةً، كان ينقصني عنصر آخر وهو الموسيقى. الزر الخاص بتشغيل أغنية مشروع ليلى ينفلت هنا بالذات، تذكرت الشظايا الحديدية للفكرة التي يطرحها “حامد سنوّ” وتذكرت الأرق والقلق والإضطراب المتأصل في وجوديتي على هذه البقعة من الأرض، لا أحب الإنشاء في هذه اللحظات العابرة، أحب الهدوء والإهتزاز التي تخلقه الموسيقى أمام عين الجالس بجانبي وعلامات الدهشة والإستغراب البادية على وجهه. ينتقل زر “الشفل” إلى أغنية أخرى، إلى أغنية من زمن الثمانينيات المضطرب في بيروت، فرقة الأرض وزياد رحباني، أغنية نادرة، كاللحظة التي رقصنا بها بإيقاع بطيء على وجودها، لا أعرف ما الذي إستدعى ذلك لكن التركيبة لتلك الثواني المعدودة جاء متوافقةً مع الصوت الهادئ وكنت أفكر هل كانت .اللحظة “غير عادية” أم وجود الأغنية بحد ذاتها ؟
رصاصتان في قلب الخوف
جدتي في السبعين من عمرها، إعتادت أن تغلّف الحكايات والقصص الخرافية بعجوة التمر، حينها كان جدي الأكبر يجلس بداخل جذع الشجرة ليلف سيجارته الأخيرة قبل أن يوظف اليدين للحقيقة الكبرى التي لن تصبح واضحة إلا بلون الدم. هرب الجميع، هكذا بدأ السرد، تمت محاصرتنا في بداية الحر الممتد في الأسبوع الثاني من شهر أيار، كانت الصدفة حليفه في الحرب العالمية الأولى فنجا هو وبندقيته العثمانية من طراز قديم، الجيد أنها لم تهرم وما زالت تعرف وظيفتها: رصاصتان في قلب عصابات الهاجناه ستقوده نحو النزعة الملوثة بالخوف والتدمير، سيضع الأدرينالين تحت التجربة للمرة الأخيرة في معركة محسومة للمستعمر الأوروبي. الفرق بينه وبين الكثير من المقاتلين، أنه كان معتاداً على النظر في أعين الغرباء القادمين في كتل من الحديد، لقد واجههم في الصحاري الجليدية قبل ذلك، قال: أعرفهم جيداً ومستعدٌ لأن أطحن رؤوسهم بكلتا يدي. نفذ الرصاص، لم يبقى أمامه خيار سوى الرحيل عن القرية، لم يرد مثل هذه النهاية، رفض، جلس في وضعية جنين بداخل الشجرة، جذبوه ووضعوه فوق العربة، أغمض عينيه، لم يرى شيئاً من آثار بيته أو ما تبقى منها بعد القصف المتواصل لأيام، إحتفظ بصورة وحيدة لبندقيته المحفوظة بين لحاف الجذع ورحل.
جدتي تصنع تداخلاً بين التفاصيل للشخصية والأحداث، كنت أصمت وأنتبه إليها بفاه فاغر لتتضح لي أنها تروي قصتين مختلفتين، الشخصية تعيش في زمن والأحداث في زمن.
يا حلوة الدار - فيروز
وعلى صعيد آخر، لماذا لا نلعب الكوتشينة بينما تسري هذه الموسيقى في الخلفية كما تسري الحروب في شرايين التاريخ ..
الواحد بحاجة لأن يكون شريرًا
بعض الوقت
أنا
، مثلاً،
لم اُجلِس العجوز في الباص
يوم الثلاثاء الماضي
وكدت أبصق في يد الشحاذ اليومية.
أحببت بنتًا تحب “سيزان”
وتكتب قصصًا حلوة
ثم هجرتها تمامًا
لا لشيء إلا لأكون شريرًا.
عماد أبو صالح
عند قدم السلم وقبل الحروب مع المساحات الأخرى من الحدود والسياج الفاصل، عودٌ لزمن إنهيار القلب مع كل أغنية ورجفة الروح مع كل لحن وتخبط العقل مع كل صوت يغني وإرتخاء الأذن لتفاصيل الموسيقى الدقيقة وعزف الآلات، تلك الأوجاع التي تعتريك في معدتك قبل اللقاء، وذلك الوقع المتثاقل لصوت حروفها، الإرتباك المتسارع في ترجمة المشاعر وعدم الإفلاح في الإفلات من نطاق الجاذبية. كل ذلك التخبط قبل خروج الكلمة المعهودة، “بحبك”.
“هناك ضوءٌ يقتل”، هكذا يقول بلزاك عن المسافة الفاصلة بين السريالية والواقع وعن الألحان التي تعزفها مخيلاتنا الحمقاء. عن الموسيقى وعن الوعي، عن الإنفصال وعن التوهان في لحن “تل الزعتر” لزياد رحباني، عن الزئبق الذي يسري في الدم ويهيج الذاكرة لقرون مضت، عن الحنين إلى الدم الذي يبقى وعن الكيمياء،عن المعارك المستمرة في كهوف السبعينيات بين قفزة وأخرى على البيانو.
عودة للوراء
ومن بين الأشياء التي سوف تكتشفها أنك لست الإنسان الوحيد في التاريخ الذي إختلط عليه الأمر وارتعب بل وتقزز من السلوك الإنساني. لست وحدك الذي تعاني من هذا الشعور، وسوف يزداد حماسك وتكبر دوافعك لأن تعرف. إن الكثيرين جداً قد عانوا أخلاقياً كما تعاني أنت الآن. ومن حسن الطالع أن بعضهم قد سجل ما عاناه. سوف تتعلم منهم إذا رغبت. كما أنه في يوم ما، إذا ما كان عندك ما تقوله سيستفيد إنسان أخر مما تقدمه. إنه ترتيب جميل ومتبادل. وهذا ليس دراية أكاديمية ولكنه تاريخ وشعر..
ج د سالنجر - الحارس في حقل الشوفان
حينها كنا أقوياء وها نحن نعود مرة أخرى :)
لن ينسى أياً من #الفلسطينيين أو حتى العدو الصهيوني تفاصيل ما حدث ليلة الخامس و العشرين من نوفمبر عام 1987م، الليلة التي دعيت في كل الأوساط “بليلة الطائرات الشراعية”.
فوق أحد تلال وادي البقاع اللبناني وقف أربعة نسور إلى جوار طائراتهم الشراعية، فلسطينيان (لا يزال أسميهما رهن السرية المطلقة)،تونسي يدعى “ميلود نجاح” ، و مقاتل سوري أسمه “خالد محمد أكر”.
كلهم كانوا يدركون تمام الإدراك أنها رحلة بلا عودة،
كلهم أدركوا أنه عندما تحط طائراتهم في نقطة الوصول فما من وسيلة ستجعلها تقلع مرة أخرى.
في الساعة الثامنة و النصف مساء أدى الطيارون التحية العسكرية لقادتهم في (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-القيادة العامة) قبل أن يحلقوا مقلعين بطائراتهم الخفيفة.
نتيجة صعوبات ميكانيكية فإن طائرتين اضطرتا للهبوط داخل الحدود اللبنانية ، بينما تحطمت طائرة التونسي “ميلود” في المنطقة العازلة التي تسيطر عليها قوات “جيش لحد العميل”.
أما خالد فقد استطاع السيطرة بإحكام على طائرته و كما تلقن حافظ على تحليقه فوق منطقة الأحراش ليتفادى الرادارات الصهيونية و نقاط مراقباتهم.
و نتيجة حجم الطائرة الصغير و التحليق الصامت و براعة و أستاذية الطيار، استطاع “خالد” أن يصل إلى منطقة الهدف:
“معسكر غيبور” قرب “بيت هيلال” و الذي يضم الصفوة من القوات الخاصة الصهيونية.
هبط البطل في هدوء،و حاملا مدفعه “الكلاشنكوف” بيمناه و مسدسه الكاتم للصوت بيسراه، بدا تحركه نحو بوابة المعسكر.
و كانت مفاجئة قاتلة للجنود اليهود و هم يواجهون مقاتلا منفردا يقاتل كما الأسود.
و قبل أن يستشهد البطل السوري”خالد محمد أكر”-بعد أن تمزق جسده بفعل رصاصات الصهاينة- كان قد تمكن من قتل 37 مقاتلا يهوديا و جرح 20 آخرين.
و بعد اتصالات عاجلة بين نقاط المراقبة الصهيونية بدأت دوريات الاحتلال في مسح الحدود لكشف تواجد مقالتين آخرين و في دورية مشتركة مع خونة “جيش لبنان الجنوبي” عثر على طائرة “ميلود” المحطمة، الذي كان يختبئ على مقربة بعد أن التوي كاحله جراء هبوطه العنيف.
و لم يستسلم “ميلود” و قاتل كما يجب أن يقاتل فارس عربي ، و قد استطاع”ميلود” أن يجندل 5من جنود العدو قبل استشهاده.
مقاتلان : سوري و تونسي أضافا قطرات من دماهما إلى بحر دماء الشهداء الهادر… فداء… لفلسطين.
ليلة الطائرات الشراعية
Ghalia Benali 2012 / Under Skin /
من رحم المنفى يأتون .. لا أرض تستقبلني ولا سماء تضمني تحتها
سيولدون من الماء ويتكاثرون في الهواء ويحرقون الأخضر واليابس
أنبياء الحجارة في القدس سيمشون فوق الدم
Hunger (2008)





6